ابن كثير

348

البداية والنهاية

النفيسة ما يقوم بعشرين ( 1 ) ألف دينار ، ثم صولح على ستة عشر ألف ألف درهم . كان ابن أبي دؤاد قد أصابه الفالج كما ذكرنا . ثم نفي أهله من سامرا إلى بغداد مهانين ، قال ابن جرير فقال في ذلك أبو العتاهية : لو كنت في الرأي منسوبا إلى رشد * وكان عزمك عزما فيه توفيق لكان في الفقه شغل لو قنعت به * عن أن تقول كتاب الله مخلوق ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم * ما كان في الفرع لولا الجهل والموق وفي عيد الفطر منها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي والجمع بين رأسه وجسده وأن يسلم إلى أوليائه ، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا ، واجتمع في جنازته خلق كثير جدا ، وجعلوا يتمسحون بها وبأعواد نعشه ، وكان يوما مشهودا . ثم أتوا إلى الجذع الذي صلب عليه فجعلوا يتمسحون به ، وأرهج العامة بذلك فرحا وسرورا ، فكتب المتوكل إلى نائبه يأمره بردعهم عن تعاطي مثل هذا وعن المغالاة في البشر ، ثم كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن ، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت . وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير ، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه ، فاجتمع به فأكرمه وأمر له بجائزة سنية فلم يقبلها ، وخلع عليه خلعة سنية من ملابسه فاستحيا منه أحمد كثيرا فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلا فيه ثم نزعها نزعا عنيفا وهو يبكي رحمه الله تعالى . وجعل المتوكل في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه ، وكان أحمد لا يأكل لهم طعاما بل كان صائما مواصلا طاويا تلك الأيام ، لأنه لم يتيسر له شئ يرضى أكله ، ولكن كان ابنه صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشئ من ذلك ، ولولا أنهم أسرعوا الأوبة إلى بغداد لخشي على أحمد أن يموت جوعا ، وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه ، وكان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد ، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبي دؤاد عن مشورته ، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة ، وعلماء الناس ، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر ، وكان قد ولى من جهته حيان بن بشر قضاء الشرقية ، وسوار بن عبد الله قضاء الجانب الغربي ، وكان كلاهما أعورا . فقال في ذلك بعض أصحاب ( 2 ) ابن أبي دؤاد : رأيت من العجائب قاضيين * هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما العمى نصفين قدا * كما اقتسما قضاء الجانبين ويحسب منهما من هز رأسا * لينظر في مواريث ودين

--> ( 1 ) في مروج الذهب 4 / 111 : أربعين ألف دينار : ولم يذكر مصالحته له . ( 2 ) وهو الجماز كما في الطبري وابن الأثير .